Archive | August, 2019

هل يتحول المرضى إلى عملاء؟ (2-2)

5 Aug

هل يتحول المرضى إلى عملاء؟ (2/2)

قلنا في الجزءالسابق من المقال أن تحويل الصحة من خدمة إلى سلعة قد يحمل بعض الإيجابيات، على الأقل على المستوى النظري، لكن المعضلة تبقى أن تبني هذا النموذج يعني تلقائياً تحويل المريض إلى عميل-زبون، وهنا يمكن أن تبرز عدة مشاكل، نستعرضها في هذا الجزء.

إذن أين المشكلة في تحويل المريض إلى عميل؟

 أولاً العملاء يتوقعون أفضل خدمة بأقل سعر، فمثلا إذا أراد أحدنا شراء سيارة، يبحث عن السرعة، والمتانة، والأمان، والتوفير في الوقود، الخ بأقل سعر، ومن يريد حجز عطلته يبحث عن إقامة مريحة، مرحة، بجوار المعالم التي يريد، مع وجبات متنوعة، الخ ومرة أخرى بأقل الأسعار، وهكذا في كل الخدمات السلعية (أي التي تحتوي على منتجات يمكن تحديدها وتقييمها وتسعيرها) لكن من يحدد جودة الخدمة الصحية، هل هو العميل/المريض؟
إذا تبنينا نفس النمط، قد يبحث المريض عن الطبيب ذو الشهادات الأعلى أو من يعطيه الدواء الذي يريحه، مثلا هي لا تحب الحقن، ولا تريد التنويم في المستشفى، وبطبيعة الحال هو يريد مكان انتظار مريح، وسهولة في الحصول على الموعد… وقائمة تطول بعضها يخص الطبيب وبعضها يخص المؤسسة الصحية، بعضها منطقي ومطلوب ولكن بعضها يحتاج معرفة متخصصة لا تتوفر عند المريض، ومن ثم ليس مخولاً أصلاً لاتخاذ القرار منفردا ولا لتقييم القرار منفرداً، مما يؤدي إلى (عدم رضا) المريض/العميل.
ثانياً، علاقة الزبون بمقدم الخدمة (أو بائع السلعة) ليست متساوية ولا متوازنة. الزبون يده الأعلى والأطول، لأنه من سيدفع ومن ثم يتنافس مقدمو الخدمة على إرضاءه لان هناك خيارات أخرى ومن ثم لابد من بناء ولاءه للمكان أو للسلعة، ونرى هذا واضحاً في نجاح شركة مثل أبل Apple في خلق هذا الولاء الذي يجعل مئات الملايين من العملاء/الزبائن يشترون هواتفها بل ويجددونها مرتين في العام بالرغم من إنها الأغلى مقارنة بنظيراتها الكورية أو الصينية.
إن هذا النموذج إذا ساد يجعل العلاقة ملتبسة، يستشعر المريض انه من يجب إرضاءه وإسعاده وربما (تدليله) لأنه من دفع، سواءاً، مباشرة أو عن طريقة شركات التامين، ومن ثم -وربما للمرة الأولى- يكون للمريض الصوت الأعلى، وستسعى المستشفيات لشراء ولاءه، سواء بتجويد الخدمة، وهذا محمود أو بأساليب تجارية أخرى، وقد ناقشنا في مجموعة الكرتونية مخصصة للمختصين والمهتمين بالأخلاقيات الصحية أمثلة من أطباء يقدمون خدمات (حصرية) لمن يتابعونهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وتسائلنا عن (أخلاقية) و(مهنية) هذه العروض، وانا لست بصدد مناقشتها في هذا المقال ولكن فقط كمثال لتبعات تحويل النموذج من الخدمة المبنية على الثقة إلى التسويق المبني على الرضا والتبادلية transactional.
ثالثاً، هناك فرق جوهري بين نفسية المشتري الذي يشتري سلعة أو يطلب خدمة ليشعر بسعادة لاقتنائه شيء أو تحقيق حلم كان يسعى لتحقيقه، فغالبا ما يكون المشتَرَى كمالية من الكماليات، أما في حالة المرض فإن المريض -في النظرة التقليدية على الأقل- ضعيف يحتاج مساعدة في شيء أساسي وليس كمالي، ولا يشعر بسعادة عندما يكون مريضاً ولاسيما إذا كان المرض خطراً أو متقدماً. في نمذج السوق فإن تسلل هذا الإحساس للمريض-الزبون خطير من عدة أوجه، ولعلنا واجهنا بعضها فعلاً. مثلاً يتوقع المريض الحصول على كل شيء في أي وقت ودون مراعاة لأي أولوية.
فكِّر بالأمر: إذا دخلت متجرا لشراء هاتفك الجوال الجديد، فانت لا يعنيك من غيرك يريد هذا الجوال، أو من غيرك يحتاجه، ولا من ينتظر بعدك أو كان هنا قبلك. أنت تملك المال (أو أعطاك أحدهم المال لتشتري) وأنت ترى انك مستحق تماما للجوال الذي تريد بالطريقة التي تريد دون أن ينقص أي شيء من كماليات الجهاز الذي تشتريه. تخيل هذا السيناريو في مستشفى يقدم الصحة كسلعة.
يتحول المريض إلى مشتري للخدمة وبالتالي لا يفهم أن تُعَطَّل، أو تؤجل، أو تقلل من الخدمة التي سددت قيمتها شركة التامين أو الدولة (كما أوضحنا في مقالي السابق- الدولة الأم) بالرغم من أن قرار التأجيل أو التعطيل قد يكون قراراً صائباً من الناحية الطبية، مثل عملية تصنيف المرضى (Triage) لتحديد أولويات تقديم الخدمة العلاجية. ولعلنا لاحظنا زيادة مضطردة في أعداد المرضى الذي يشتكون من أن الأطباء (لم يهتموا بهم وتركوهم من اجل مرضى آخرين) … عفوا؟! لكن هذا هو عين المراد من تقديم الرعاية الطبية حتى يأتي اليوم الموعود الذي يوجد فيه طبيب لكل مريض في كل وقت – ولا أظن ذلك اليوم يأتي قريباً، هذا إذا جاء أصلا!
رابعاً: ليس في الطب ضمان لمدة عامين أو 100,000 كم أيهما اسبق!

مع تطور نظم التجارة التقليدية أو الإلكترونية، اصبح من (حق) العميل الحصول على (ضمان) على المنتج أو الخدمة التي اشتراها، بما في ذلك خدمة ضمان الاسترداد النقدي cash back guarantee، وهو نموذج من العلاقة تجعل الزبون ورضاه عن الخدمة أو السلعة هو معيار الجودة وضابط العلاقة بين الزبون ومقدم الخدمة.
وهذا هو عين المستحيل في الطب. لا يوجد طبيب في العالم يستطيع أن يوفر ضمان نجاح دواء أو تدخل جراحي لمريضه، فالطبيب معالج وليس شافياً، وإنما اقصى ما يلزم به الطبيب هو التأكد من أن الدواء المصروف للمريض تم بعد اخذ التاريخ المرضي بشكل جيد وبعد الكشف الإكلينيكي الكامل، وبعد طلب الفحوصات الموائمة للحالة ومن ثم تم التشخيص الصحيح (وفق افضل معرفة الطبيب) وتم صرف الدواء الصحيح بالجرعة الصحيحة في الوقت الصحيح، أو أن العملية الجراحية تمت بعد استيفاء كل ذلك وفق الممارسات المعيارية لهذا النوع من العمليات في هذا النوع من المرضى. هذا كل شي. نعم، هناك مرضى لا يشفون، وبعضهم تتدهور حالتهم، وبعضهم يموتون. هذا هو الطب، شئنا أم أبينا.
الطب كممارسة لا يمكن أن تنبني على رغبة مريض أو رضاه كمعيار جامد أو أساسي، ناهيك عن اعتماده كمعار وحيد، لأن ذلك قد يضر بالمريض وبالعملية العلاجية، ويؤدي لنتائج عكسية، ويكفينا في هذا المقام ذكر د. كونراد موراي الذي انتهت به رغبته في الحفاظ على \”عميله\” الأهم (مايكل جاكسون) وانتهى الأمر بوفاة أحد اشهر المغنيين والمؤديين في القرن العشرين وانتهى الأمر بالدكتور كونراد إلى قضاء عامين ونصف في السجن وانتهاء مسيرته المهنية (كطبيب على الأقل).
إذن من الوهم وربما الغش لأنفسنا ولمرضانا أن نحيلهم أو نعاملهم أو نقنعهم انهم (عملاءنا الأعزاء). الضابط في ممارستنا الطبية و أن نفعل ما (يحتاجه) المريض لا ما (يريده) أو يتمناه، إذا كان ما يريده المريض ليس له أساس علمي طبي، وإن أدى ذلك على (عدم رض المريض عن الخدمة). الضامن الذي نقدمه هو أن الطبيب، والممارس الصحي عموماً، يتبع المقاييس المعيارية والضوابط التي وضعتها وزارة الصحة والأجهزة التنظيمية والمنظمات والجمعيات الطبية المتخصصة، وعليها وحدها يقاس عمل الطبيب.
في الختام، أنا لا أدعو إلى تهميش دور المريض، بالعكس المريض شريك كامل في صنع القرار ووضع الخطة العلاجية وتنفيذها، والطبيب مطالب بان يكون هينا لينا خلوقاً مع مرضاه، ويسعى لجعل حياتهم افضل، كما أن على المستشفيات العمل على تطوير أداءها في كل الجوانب ولكن ليس عبر تشويه العلاقة الخاصة جدا بين الطبيب والمريض ونقلها من مدارات الراحة النفسية المبنية على الثقة في الطبيب واطمئنان الطبيب وتقليل الضغط العالي أصلاً إلى علاقة تعتمد على المبادلة التجارية المحضة التي لا تؤدي إلى منفعة المريض، بل ربما إلى العكس من ذلك تماماً.


(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({ google_ad_client: \”ca-pub-2050407282883773\”, enable_page_level_ads: true });

اللقاء الكامل مع د. السيد ياسين: كيف فقدت نصف وزني من 150 كجم الى 76 كجم بدون أدوية أو عمليات؟

1 Aug
يمكنكم الآن مشاهدة اللقاء الكامل مع د. السيد ياسين، وقصته في إنقاص وزنه من 150 كجم إلى نصف هذا الرقم تقريباً، بدون تدخل جراحي أو أدوية.

يتناول اللقاء:

– لماذا بدأ الريجيم أصلاً؟ بالرغم من انه كان في حالة السمنة طوال عمره تقريباً
– كيف بدأ؟ ما الذي واجهه؟ هل فشل أو أصيب بالاحباط؟
– هل اعتقد ان بإمكانه ان ينقص كل هذا الوزن؟
– ما هي أهم المفاهيم الخاطئة التي اكتشف خطأها فيما بعد؟
– هل هناك طريقة واحدة؟ أو هل نوَّع بين أكثر من طريقة؟
– ماذا عن النظام الرياضي؟ ولماذا يعتقد في (سحر المشي)؟
– هل لديه خوف من أن يعود لوزنه السابق ويفقد هذا النجاح؟
– كيف أثر نظامه الغذائي على حياته وأسرته؟
–  ما هو يوم الـ(off) وما دور شرب المياه؟
– كيف يضمن ألا يعود لوزنه السابق؟

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({ google_ad_client: \”ca-pub-2050407282883773\”, enable_page_level_ads: true });